إخوان الصفاء
211
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
للنقش والصورة ، فهذه عبادتها وطاعتها وخضوعها وخشوعها ، وإن منها ما يلتذ ويشتاق إلى الطاعة ، ومنها ما هو أسرع للقبول ، وأحسن في الصورة ، وأجلّ في القدر ، وأعظم في ذلك ، ودون ذلك ، ومنها ما هو في غفلة من ذلك لا يقبل الصورة ، ولا يذوب بالنار ، ولا له إشراق ولا صفاء ، ولا ينتفع به كالصّمّ الصّلاب والصّوّة والحجارة والأرضين السّباخ . وأما عبادة النبات فهي ما يظهر منه من الحركات ، وذهابه مع الهواء إذا ذهب يمينا وشمالا ، فهو راكع وساجد ، ومسبّح ومقدّس باصطكاك أوراقه وحركات قضبانه ، وما يبديه من أنواره وأزهاره ، وتسليمه ثمرته إلى الحيوان ، ومنها ما لا ينتفع به ولا يصلح إلّا للنار . وأما عبادة الحيوان فهي خدمته الإنسان ، وذهابه معه حيث ما ذهب ، وما يكون من صبره على ما يعمل به ، ومنه عاص منكر جاحد لطاعة الإنسان ، عدو له كالسباع وأنواع الوحوش . وأما عبادة الإنسان فهي ما أوجبه اللّه تعالى عليه وهداه إليه ، وهو أجلّ العبادات الأرضية ، وأعظم المعارف الحيوانية ، وله فضيلة النّطق وشرف القدرة على ما دونه ، وكمال الخلقة واستواء القامة ، مجموع من العالمين ، فهو كالحد المتاخم للحدّين وكالواسطة بين الطرفين . فاحرص أيها الأخ بالعبادة والطاعة حتى تصل إلى حيث يكون تسبيحك وتقديسك غاية أنسك ، وأعظم لذة تجدها نفسك ، فعند ذلك تأنف من الغذاء الجسماني ولا تحرص عليه ولا تشتاق إليه ، وتصير في روضة الملكوت بحيث تكون حيّا لا تموت .